مجمع البحوث الاسلامية
230
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في الآية ثلاث مرّات : مفردا مرّتين ، وجمعا مرّة ، تلميحا بعظم العنكبوت في نفسها وفي بيتها ، فإنّ العلم الحديث كشف عنه أسرارا ، منها أنّه من أصلب الموادّ حتّى الحديد ، إضافة إلى اشتماله على أشكال هندسيّة دقيقة . الثّالث : أربع آيات بعدها : ( 7 - 10 ) - وكلّها مكّيّة - في قوم ثمود ، وهم أصحاب الحجر وصالح ، فجاء في الثّلاث الأولى - تأكيدا لقوّتهم - أنّهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فارهين فيها ، وهذه البيوت لا تزال باقية ، اكتشفها خبراء الآثار حديثا ، وكانت موجودة حين نزول القرآن ، كما قال في ( 10 ) : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً . وذكر في ( 7 ) أنّ اللّه جعلهم خلفاء من بعد عاد ، وبوّأهم في الأرض ، وكانوا يتّخذون من سهولها قصورا ، وينحتون من الجبال بيوتا . وتضمّنت هذه الآيات جدال عنيف وقع بينهم وبين صالح وغيره من رسلهم ، ثمّ أخذتهم الصّيحة فكانوا من الهالكين ، وجميع سياقها ذمّ . الرّابع : خاطب اللّه في ( 11 ) المشركين والعرب تأكيدا لما أنعم عليهم ، بأن جعل لهم من بيوتهم سكنا ، ومن جلود الأنعام بيوتا يستخفّونها يوم ظعنهم - أي ارتحالهم - من مكان إلى مكان ، ويوم إقامتهم في مكان . فكان لهم صنفان من البيوت : بيوت ثابتة مبنيّة من الحجر والطّين والخشب ، وبيوت متنقّلة من جلود الأنعام وأوبارها وأشعارها . وهذه مكّيّة أيضا ، إلّا أنّ سياقها الامتنان دون الذّمّ . الخامس : جاء في ( 12 ) و ( 13 ) نوع آخر من الحجاج مع المشركين عقيب قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الزّخرف : 31 ، والرّدّ عليهم بأنّ اللّه هو الّذي قسّم بين النّاس معايشهم ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات فيها ، نبّه على سنّة إلهيّة بأنّه لولا أنّ سنّته جرت على كون النّاس أمّة واحدة في معايشهم لا يفرّق بين مؤمنهم وكافرهم ، لجعل بيوت الّذين كفروا ذات سقف من فضّة وأبواب وسرر عليها يتّكؤون ، أي لوسّع لهم في العيش فوق الّذين آمنوا بما هي متاع الحياة الدّنيا ، وخصّ الآخرة بالمتّقين ، إلّا أنّ اللّه لا يميّز المؤمن من الكافر فيما قدّر لهما من المعيشة . السّادس : جاء في ثلاث بعدها : ( 14 - 16 ) - وكلّها مدنيّة راجعة إلى معارك القتال بين المؤمنين والكفّار - إزراء بموقف بعض المؤمنين في أحد والأحزاب ، وإدانة اليهود في معركة بني النّضير : 1 - وبّخ اللّه في ( 14 ) طائفة من المؤمنين ، قالوا بعد الهزيمة في معركة أحد : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ، بقوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ . . . ، آل عمران : 154 ، أي أنّ الموت والحياة مقدّران ، لا يؤخّران ولا يقدّمان ، فلو بقيتم في بيوتكم ولم تخرجوا إلى ساحة المعركة لأدرككم الموت المقدّر لكم . 2 - ووبّخ في ( 15 ) الفريق الّذي كان يستأذن النّبيّ للخروج من معركة الأحزاب بذريعة أنّ بيوتهم عورة ، بقوله : وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ، وتعكس الآيتان ضعف نفوس بعض المؤمنين أمام الأعداء في سوح القتال .